السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
227
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
قال لما نزلت هذه الآية قال صلّى اللّه عليه وسلم خيّروهم فإن اختاروكم فهم لكم وإلا فاجلوهم معهم ، وقال ابن عباس إن هذه الآية نزلت في هؤلاء فعلى فرض صحة قوله هذا فلا تكون أيضا منسوخة . على أن الواقع ينفي صحة نزولها فيهم لأن حادثة بني النضير كانت بعد نزول هذه الآية بكثير لكونها في السنة الرابعة من الهجرة ، وما قيل إنها نزلت في ولدي الحصين المتنصرين قبل بعثة الرسول حينما كلفهما أبوهما بالإسلام ، وقال يا رسول اللّه أيدخل بعضي في النار وأنا انظر ، على فرض صحته أيضا لا تكون منسوخة لأن هؤلاء كلهم يعدون أهل الكتاب ، فلا وجه لقول من قال بالنسخ البتة . قال زيد بن أسلم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بمكة عشر سنين لا يكره أحدا على الدين ، وكذلك في المدينة لم يكره أحدا من أهل الكتابين على الإسلام وإنما أكره عليه مشركي العرب ولم يقبل منهم إلا السيف أو الإيمان « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ » مبالغة الطغيان وهو كل ما يطغي الإنسان من شيطان وإنسان كالسحرة والكهنة وغيرهم وكل ما عبد من دون اللّه « وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى » تأنيث الأوثق أي السبب الموصل إلى دين الإسلام المفضي إلى جنة اللّه فمن كان متمسكا بها فقد صح إيمانه واعتصم به وأوفى بالعهد الذي أخذه عليه في عالم الذر « لَا انْفِصامَ لَها » ولا انقطاع لأنه عقد نفسه مع ربه عقدا وثيقا لا تحله الشبهة ، وهذا تمثيل المعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه « وَاللَّهُ سَمِيعٌ » لإيمان المؤمن وكفر الكافر « عَلِيمٌ » ( 256 ) بنيتهما فيعلم الإيمان عن رغبة أو إكراه ، ومن هو منافق في إيمانه أو مخلص فيه ، كما يعلم المكره على الكفر من الراغب فيه . وهذه الآية ترشد إلى أن الإيمان لا يقبل إلا عن رغبة فيه وقناعة في صحته وأخيريته ، لأن المكره على الإيمان لا يعمل بما يقتضيه له من الأعمال . والحكم الشرعي هو هذا . وما روي عن ابن مسعود أن حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ) * الآية 75 من سورة التوبة والآية 10 من سورة التحريم الآتيتين لا محل له لأن الدين عقيدة ذاتية عريقة في نفس الإنسان لا سلطان لأحد عليهما غير اللّه تعالى القائل ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) ولأن من آمن بلسانه قبل منه وعومل معاملة المسلمين ودفن في مقابرهم